محمد أبو زهرة

149

المعجزة الكبرى القرآن

وذلك ثابت في أسلوب القصص ، كما هو ثابت في كل أساليب القرآن الكريم من غير تخصيص فيها ، بل كلها درجة واحدة يعجز البشر عن أن يصلوا إليها ، فكل لفظ له إشعاع نوراني يشع منه ، وكل جملة ينبثق منها النور الإلهى الذي تنطفئ بجواره كل الأنوار . ومع هذا فالقصص القرآني باعتباره قصصا ، فيه إخبار عن أمم ووقائع وأنبياء يجادلون أممهم وأشخاص يعاندونهم ، وأن القصص يمتاز مع الصور البيانية التي تنبعث من الكلام مجردا ، بصور أخرى تصور الأشخاص والوقائع والمشاهد ، فإذا ذكرت حال شخص صور تصويرا واضحا كأنك تراه وتشاهده ، والعبارات تصور حاله من خوف ، أو حنان ، أو انزعاج أو جحود ، وكأن المعاني صور واضحة في الشخص المتحدث عنه ، ولو أن مصورا متحركا يصور الشخص في مشهد من مشاهد الذعر ، ما كان أكثر تصويرا من الألفاظ القرآنية والأساليب في تصويرها . ولنذكر في ذلك بعض ما تلونا من قبل ، لنعيد تلاوة حال أم موسى ، وقد ولدت ولدها ، وهي تعلم أن فرعون يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم ، وتضطرها الفطرة الملهمة التي كانت بمثابة وحى أو هي وحى لها أن تلقى ولدها في اليم ، لأنه خير لها أن يلقى لقدر اللّه تعالى وقضائه ، من أن يذبح بين يديها ، وهذا ما نعيد تلاوته ، وما أطيب القرآن في إعادة تلاوته : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ( 8 ) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 9 ) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 ) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) . [ القصص : 7 - 12 ] إن القصة ترينا صورة أم مضطربة منزعجة خائفة لما أثقلت ألقت حملها ، فإذا أثقال جديدة ، إنما تريد نجاته ، فيعلوها الاضطراب والخوف والفزع ، وإذ الإلهام يجيئها بإلقائه بأليم مع إثلاج قلبها بألا تخاف ، وألا تحزن ، ومنّ اللّه تعالى عليها بالاطمئنان بأنه سيعود إليها ، وهكذا يكون الاطمئنان في موطن الخوف ، والقرار في موطن الاضطراب ، والسكون في موطن الهلع ، يغيب عنها فلذة كبدها فيفرغ قلبها ، ويغلب الفزع على الاطمئنان وهي تغالب حال الفزع بحال الاطمئنان إلى أن وعد اللّه تعالى بالاطمئنان ، ويصطرع الأمران في نفسها ، يغلب الإلهام فتطمئن ، ويغلب الفزع القلبي